محمد كرد علي

138

خطط الشام

قليلا استنكف عن العمل في الزراعة كما كان هو وأبوه ، ومنهم من بنوا القصور الغناء والدور القوراء في مزارعهم ، وأخذوا ينعمون بطيب العيش ، ويبحثون أوقات فراغهم في أمور ما كانت لهم ولا كانوا لها ، ويلهون ويلعبون على الطرق التي اقتبسوها في مهاجرهم . وقد كانت جبال لبنان وعامل والعلويين وقلمون والخليل والسامرة من أشد الأصقاع التي تأذت بالهجرة فتأخرت زراعتها فوق تأخرها . ولقلة اليد العاملة رأينا بعضهم في البقاع يقرن امرأته إلى ثوره تعمل مع فدانه ، ورأينا الحوارنة يستكثرون من الأزواج يتخذونهن أجيرات في أعمال الحقل وعلف الدواب واستخراج الدرّ وعمل السمن واللبن . ولئن دخلت القطر أموال طائلة بسبب الهجرة فثروة أمة لا تعد بكثرة نقدها بل بكثرة ما يعمل أبناؤها في أساليب الرزق المختلفة ، وقلّ أن أنفق مال يذكر على تحسين الزراعة وإقامة الشركات النافعة ، ونحن لم نبرح ننشد مع حافظ إبراهيم : أيشتكي الفقر غادينا ورائحنا * ونحن نمشي على أرض من الذهب خصب الأراضي ومعالجتها وما يزرع فيها : يضرب المثل بزكاء منابت الشام واعتدال أهويتها ، وجودة مناخها ، وكثرة مياهها ، على كثرة حزونها وجبالها ، وإن أرضا تعطي حبتها في بعض الجهات مئة حبة ، كأرض الرحبة بالقرب من جبال الصفا ، لتعد من أخصب بقاع الأرض ، وذلك لأن أرضها مستريحة منذ العصور المتطاولة . فإذا كان بنو إسرائيل قد جعلوا عادة لهم أن يريحوا أرضهم مرة كل سبع سنين ، فإننا قد أرحناها منذ قرون ، ولذلك لا تضن علينا بخيرات سطحها كلما حرثناها وزرعناها . وما زالت زراعتنا كما عرفها الأجداد بل كما عرفها الإنسان منذ آلاف من السنين ، ليس فيها شيء من العلم إلا التجارب ، ولا من التغيير إلا ما تضطر إليه الأحوال وتهدي إليه الفطرة ، ولذلك يعوزها كثير مما يجود في غيرها من النباتات والأشجار . قال الرحالة فولني في كلامه على مناخ الشام : إن الأرز يجود زرعه على شواطئ بحيرة الحولة ، والنيلة تنبت بلا عمل على ضفاف نهر الأردن في بيسان وهي لا تحتاج إلا إلى قليل من العناية حتى تستوفي الشروط المطلوبة . وبعد أن أفاض القول على مدن الشام قال : إن دمشق تفاخر وحق